الشنقيطي
510
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الدروع فاعلم أن العرب تطلق اللبوس على الدروع كما في الآية ؛ ومنه قول الشاعر : عليها أسود ضاويات لبوسهم * سوابغ بيض لا يخرقها النبل فقوله « سوابغ » أي دروع سوابغ ، وقول كعب بن زهير : شم العرانيين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل ومراده باللبوس التي عبر عنها بالسرابيل : الدروع . والعرب تطلق اللبوس أيضا على جميع السلاح درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا . ومن إطلاقه على الرمح قول أبي كبير الهذلي يصف رمحا : ومعي لبوس للبئيس كأنه * روق بجبهة نعاج مجفل وتطلق اللبوس أيضا على كل ما يلبس ؛ ومنه قول بيهس : البس كل حالة لبوسها * إما نعيمها وإما بوسها وما ذكره هنا من الامتنان على الخلق بتعليمه صنعة الدروع ليقيهم بها من بأس السلاح تقديم إيضاحه في سورة « النحل » في الكلام على قوله تعالى وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [ النحل : 81 ] الآية . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ الظاهر فيه أن صيغة الاستفهام هنا يراد بها الأمر ، ومن إطلاق الاستفهام بمعنى الأمر في القرآن قوله تعالى : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 91 ] أي انتهوا . ولذا قال عمر رضي اللّه عنه : انهيتنا يا رب « 1 » . وقوله تعالى : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا [ آل عمران : 20 ] الآية ، أي اسلموا . وقد تقرر في فن المعاني : أن من المعاني التي تؤدي بصيغة الاستفهام : الأمر ، كما ذكرنا . وقوله شاكِرُونَ شكر العبد لربه : هو أن يستعين بنعمه على طاعته ، وشكر الرب لعبده : هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل . ومادة « شكر » لا تتعدى غالبا إلا باللام ، وتعديتها بنفسها دون اللام قليلة ، ومنه قول أبي نخيلة : شكرتك إن الشكر حبل من التقى * وما كل من أوليته نعمة يقضى وفي قوله لِتُحْصِنَكُمْ ثلاث قراءات سبعية : قرأه عامة السبعة ما عدا ابن عامر وعاصما لِتُحْصِنَكُمْ بالياء المثناة التحتية ، وعلى هذه القراءة فضمير الفاعل عائد إلى داود ، أبو إلى اللبوس ، لأن تذكيرها باعتبار معنى ما يلبس من الدروع جائز . وقرأه ابن عامر
--> ( 1 ) أخرجه : أبو داود في الأشربة حديث 3670 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3049 ، والنسائي في الأشربة ، باب تحريم الخمر .